السيد محمد حسين الطهراني
30
معرفة المعاد
أمّا رجل الصدق والاستقامة فلا يعير زينة الدنيا أدنى اهتمام ، وينظر إلى حقيقتها بعين بصيرته النافذة المضاءة ، فلا يمنح الأمور الاعتبارية واللذائذ الفانية عنوان البقاء والدوام ، ولا يخدع نفسه فيعقد عقد نكاحه على عجوز شمطاء قد تجمّلت للأنظار وجرّت آلاف الأزواج إلى الموت في أحضانها بآلاف الخدع والأحابيل . إنَّا جَعَلْنَا مَا على الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلًا ، وَإنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا . « 1 » إنّا جعلنا ما على الأرض زينة وجمالًا لها لنختبر أهلها ونبلوهم أيّهم يمتلك ميلًا أشدّ إلى الحقيقة وعملًا أحسن وأجمل ، ثمّ اننا في عاقبة الأمر سنجعل ما على الأرض صعيداً وتراباً خالصاً لا خاصيّة له ولا أثر . فالماء الجاري على الأرض زينة ، والنباتات والأشجار والمناظر الخلّابة من الجبال والشلّالات زينة كلّها ، الطيور والدجاج زينة ، والأنعام والدوابّ زينة ، النساء والأولاد ، الأرحام والعشيرة ، الأصدقاء والإخوان هم زينة كلّهم . جعلهم الله جميعاً زينةً للمادة وللهيولي التي لا شكل ولا لون ولا رائحة ولا جمال ولا فتنة لها ، وذلك من أجل أن يبلو الناس ويختبرهم فيما سيفيدونه من هذا العمر ومن سني الحياة المتوالية ، وكيف سيجتازون هذا الاختيار ، وكيف سيصيرون خالصين منزّهين . فهذه الأشكال والصور ستتبدّل جميعاً في موقد الدهر إلى رماد ، كما ستتحول هذه الطراوة والجمال إلى أشكال كريهة ومناظر عجيبة ، وستنتهي الأرض الخضراء اليانعة قفراً قاحلة . فالله سبحانه يختبر بهذه الأمور عباده ليعلم أيّهم لا ينخدع في هذه
--> ( 1 ) - الآية 7 و 8 ، من السورة 18 : الكهف